صديق الحسيني القنوجي البخاري
104
فتح البيان في مقاصد القرآن
خوف عليهم في الآخرة ولا يحزنون للموت ، والخوف هو الذعر ، ولا يكون إلا في المستقبل ، والحزن ضد السرور ، قال اليزيدي حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم . وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي جحدوا عطف على فَمَنْ تَبِعَ قسيم له وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أي بالقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ أي يوم القيامة وصحبة أهل النار لها بمعنى الاقتران والملازمة هُمْ فِيها خالِدُونَ أي لا يخرجون منها ولا يموتون فيها ، وبقي قسم ثالث وهو من آمن ولم يعمل الطاعات فليس داخلا في الآيتين ، وقد تقدم تفسير الخلود . يا بَنِي إِسْرائِيلَ اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السّلام ، ومعناه عبد اللّه ، لأن إسر في لغتهم هو العبد ، وإيل هو اللّه ، وكذلك جبريل هو عبد اللّه وميكائيل عبد اللّه ، قال القفال إن إسر بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل اللّه ، وقيل معناه صفوة اللّه ، والأول أولى ، والمعنى يا أولاد يعقوب . والخطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، قيل إن له اسمين . وقيل إن إسرائيل لقب له وهو اسم أعجمي غير منصرف ، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها لغة القرآن وهي قراءة الجمهور ، استدل به على دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد . اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي اشكروا ، وإنما عبر عنه بالذكر لأن من ذكر النعمة فقد شكرها ، ومن جحدها فقد كفرها : والذكر بالكسر هو ضد الإنصات ، وبالضم ضد النسيان ، وجعله بعض أهل العلم مشتركا بين ذكر القلب واللسان ، وقال الكسائي ما كان بالقلب فهو مضموم الذال ، وما كان باللسان فهو مكسور الذال . قال ابن الأنباري : والمعنى في الآية اذكر واشكر نعمتي فحذف الشكر اكتفاء بذكر النعمة وهي اسم جنس ، وحدها أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ، وقيل المنفعة الحسنة والأول أولى ، والكلام على قيود هذا الحد وضروب النعمة مستوفى في تفسير الرازي فليراجعه . والنعم المخصوصة ببني إسرائيل كثيرة من جملتها أنه جعل منهم أنبياء وأنزل عليهم الكتاب والمن والسلوى ، وأخرج لهم الماء من الحجر ونجاهم من آل فرعون وفلق لهم البحر وأغرق فرعون وظللهم بالغمام وغير ذلك من نعم كثيرة ، وقيل إن هذه النعمة هي إدراك المخاطبين بها زمن محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والأول أولى قال ابن الفارس فيه دليل على أن للّه على الكفار نعمة خلافا لمن قال لا نعمة للّه عليهم ، وإنما النعمة للمؤمنين . وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أي امتثلوا أمري ، يقال أوفى ووفى مشددا ، ووفي مخففا ثلاث لغات بمعنى واحد وقيل يقال وفيت ووفيت بالعهد وأوفيت بالكيل لا غير ،